ابن النفيس
479
الشامل في الصناعة الطبية
والملاحظ في هذه المخطوطة أنها نسخة مقابلة أي تمت مقابلتها على نسخة أخرى غير تلك التي نسخت منها ، وهو ما يظهر من بعض التصويبات الواردة في الهوامش الجانبية للصفحات . وقد التزم الناسخ بنظام التعقيبة أي ذكر أول كلمة ترد في الورقة التالية ، بآخر الوقة السابقة ؛ تحرّزا من اختلاط الأوراق . . وتلك سمة لا نراها إلا لدى النّسّاخ المحترفين . . . ولسوف نشير في هوامش التحقيق إلى هذه المخطوطة ( البغدادية ) بحرف : غ . أما من حيث المحتوى العلمي والمعرفى في هذا الجزء العاشر من الشامل فإنّ أولى الملاحظات التي يمكن تأكيدها هنا ، هي تلك الحيويّة الدافقة بالمعلومات بحيث لا يقتصر الكلام عن المفردات : ماهيتها ، وخواصها وأفعالها في أعضاء الجسم الإنسانى ؛ وإنما يبحر العلاء نحو آفاق علمية أرحب ، قد تخرج عن نطاق المباحث الطبية والصيدلانية ، وكأنه يريد أن يؤكّد لنا ، أنّ كتابه هو بالفعل كعنوانه : شامل . . فهو على سبيل المثال حين يتحدّث عن الحنّاء التي دائما ما استخدمت في خضاب الشّعر وتلوينه ، نراه يستفيض في الكلام عن الألوان والصباغة ، معلّلا بعد تحليل بديع : لماذا تكون الحناء خضراء اللون ، وتصبغ الشعر باللون الأحمر ! ( انظر الفصل الأول من مقالة الحناء ) . وعندما يتحدث العلاء في المقالة التي أفردها للخبز ، عن أنواع المخبوزات وما يفضل به نوع على آخر . . نراه يعرج بالكلام نحو آفاق فلسفية ، مقرّرا أنّ الإنسان يعتمد في غذائه على الخبز ( المصنوع ) خلافا لبقية الحيوان ، الذي يأكل من الطبيعة ، وذلك لأن الإنسان : يحتاج أن يكون دائما مستعملا للصنائع وهذه الصنائع جميعها فكرية ، فيكون دائما مستعملا الفكر ، فإنّ ذلك مما يقوّى الفكر ويحدّه ، فيكون الإنسان بذلك مستعدّا لتعرّف الصانع لهذا العالم . . إلخ ( انظر الفصل الأول من مقالة الخبز ) . كما يظهر في هذا الجزء من الشامل ما رصدناه في الأجزاء السابقة من ولع العلاء ( ابن النفيس ) بتصويب الأخطاء التي وقع فيها الأطباء من قبله . مثال ذلك ما نجده في الفصل الأخير من مقالته في الحنظل حيث يذكر أنّ الأطباء قالوا إنّ ما يلقى من الحنظل في الحقنة : من درهمين إلى أربعة دراهم ؛ وهو ما يعقّب عليه بقوله : وأنا أستكثر هذا ، وأرى أنه لا يزاد في الحقنة على درهم واحد . . إلخ . ولم يصرّح العلاء بأسماء الأطباء الذين خالفهم هنا ! وقد تعقّبنا قولهم هذا في المصادر ، فوجدنا أن ابن البيطار نقله في كتابه ( الجامع ) وعزاه إلى حبيش بن الأعسم الطبيب والمترجم القديم - وهو ابن أخت المترجم الأشهر : حنين بن إسحاق - ولا ندري السبب في أنّ